السيد محمد باقر الصدر

259

بحوث في علم الأصول

عن خصوص الموصلة التي قصد بها التوصل ؟ . أمّا الكلام في المقام الأول ، فيقال : إنّه لمعرفة أنّ الحرمة بأيّ مقدار ترتفع عن المقدمة ، لا بدّ من ملاحظة ما هو طرف المنافاة مع هذه الحرمة ، وهنا طرف لمنافاتين : المنافاة الأولى : بين حرمة الاجتياز ووجوب ذي المقدمة . أي : إنقاذ الغريق وهي منافاة بملاك التزاحم في مقام الامتثال ، لتعدّد موضوع الحكمين ، وتعذّر امتثالهما معا ، إذ لا يعقل الأمر بشيء والنهي عن مقدمته . المنافاة الثانية : هي بين حرمة المقدمة ، ووجوبها الغيري ، وهي مبنيّة على القول بالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته ، بخلاف الأولى ، وهذا تناف بملاك التعارض ، لأنّ الحرمة والوجوب واردان على موضوع واحد في مرحلة الجعل ، وقبل أن تصل النوبة إلى الامتثال . بعد دراسة هاتين المنافاتين نحدد المقدار الذي نرفع اليد عنه من الحرمة . أمّا المنافاة الأولى : فلو التفتنا إليها بما هي ، وقطعنا النظر عن الثانية ، فإنّنا نرى أن التزاحم يقع بين الواجب النفسي وحرمة المقدمة الموصلة خاصة ، أي : بين « لا تغصب » وبين « أنقذ الغريق » ، وهنا لا بد من تقديم الأهم ، وهو « إنقاذ الغريق » وعليه ، فلا بدّ من رفع اليد عن حرمة الاجتياز ، لأنه ضروري ، وإلّا تعذّر امتثال خطاب « أنقذ الغريق » ، أي : ذي المقدمة . وأمّا الحصة غير الموصلة من المقدمة ، فمقتضى الحرمة فيها موجود ، وهو مبغوضيّة الغصب ، والمانع مفقود ، لأنّ المانع ليس رعاية حق المزاحم الأهم ، فالمزاحمة ترتفع بمجرد سقوط الحرمة عن الحصة الموصلة ، لأنّ هذا المكلّف يمكنه حينئذ الامتثال ، وذلك بأن يجتاز اجتيازا موصلا ، حيث أنه لو إجتاز الأرض ولم ينقذ يعاقب بعقابين . إذن فالحرمة تختص بالحصة غير الموصلة من المقدمة .